محمد حسين هيكل
339
حياة محمد ( ص )
كالكتابة في الدّين إلى أجل مسمى إلا أن تكون تجارة ، وكإرسال الحكمين إذا وقع الشقاق بين الزوجين خيفة الفرقة ، وكالقيام بالإصلاح بين طائفتين اقتتلوا ، ومقاتلة الطائفة التي تبغي ولا ترضى الصلح حتى تفيء إلى أمر اللّه - تأخذ الإنسان الدهشة إذ يرى هذه الأمور ، ويوازن بينها وبين ما ورد في الشرائع المختلفة ، فإذا أحسن التشريع ما وافق هذه القواعد التي وضعها القرآن . فلا عجب إذا - وما ذكرنا عن الربا وعن الاشتراكية الإسلامية هو أساس النظام الاقتصادي المصوّر في القرآن ، وهذه التفاصيل التشريعية هي خير ما وصل التشريع إليه في مختلف العصور - أن تكون الحضارة الإسلامية هي الحضارة الجديرة بالإنسانية الكفيلة حقّا بإسعادها . ربما ذهب بعض كتّاب الغرب ، بعد اطلاعهم على ما قدّمنا من تصوير القرآن للحضارة وأساسها ، إلى أن طبيعة الإنسان لا تألف هذا النظام الذي يكلّفها من السموّ إلى ما فوق فطرتها ما لا تطيق ، وأن نظاما ذلك شأنه ليس مقدورا له أن يحيا أو أن يطول بقاؤه . فالإنسان في رأيهم إنما يحركه الخوف والرجاء ، وتحركه الأهواء والشهوات ، شأنه في ذلك شأن الحيوان ، وهو بعد حيوان ناطق . فحمل الإنسانية على الأخذ بنظام كالذي صوره الإسلام للحضارة أمر غير مستطاع ، أو هو على الأقلّ غير ميسور . وغاية ما نطيق في نظم هذه الحياة للجماعة الإنسانية أن نهذّب الشهوات ، وأن نحسن توجيه فكرة الخوف والرجاء من الناحية الاقتصادية الماديّة البحتة . فأمّا ما وراء ذلك فأمر لا قبل للجماعة به . ولعل الدليل عندهم على ذلك أن النظام الإسلامي ، على النحو الذي صوّره القرآن وحاولت إيجازه هنا ، لم يستقرّ في الجماعة الإسلامية نفسها إلا أيام النبي وفي الصدر الأوّل . ولو أن النظام كان صالحا للحياة لاستقرّ في تلك الجماعات الإسلامية الأولى ولانتشر منها في أنحاء العالم . أما وذلك لم يحدث ، بل حدث نقيضه ، فالزعم بأن هذا النظام أجدر بالإنسانية وأكفل بسعادتها زعم لا يصدّقه الواقع . إدحاض الاعتراض ويكفي لإدحاض هذا الاعتراض اعتراف أصحابه بأن النظام الإسلامي قام وطبّق في عهد النبي وفي الصدر الأوّل . ولقد كان محمد خير أسوة في تطبيقه . واتبع خلفاؤه الأوّلون أسوته الحسنة وساروا بهذا النظام إلى حيث يجب أن يبلغ كماله . لكن الدسائس والأهواء ما لبث بعد ذلك أن طغت شيئا فشيئا على أسسه الصحيحة من طريق الإسرائيليات تارة ، ومن طريق الشعوبية أخرى . وكان من أثر ذلك أن عاد الناس شيئا فشيئا إلى تغليب المادة على الروح ، والحيوانية على الإنسانية ، وإلى الوقوف في دائرة الحدود التي تقف المدنية الحاضرة فيها اليوم ، والتي تجرّ على الإنسانية شرّ أهوال الشقاء . أسوة محمد كان محمد خير أسوة في تطبيق الحضارة كما صوّرها القرآن . وقد رأيت من ذلك خلال هذا الكتاب كيف كان إخاؤه لبني الإنسان جميعا إخاء تامّا صادقا . كان إخوانه بمكة متساوين وإياه في احتمال البأساء والضرّاء ؛ وكان هو أشدّ منهم للبأساء والضراء احتمالا فلمّا هاجر إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار فيها إخاء جعل له حكم إخاء الدم . وكان إخاء المؤمنين عامّة إخاء محبّة لإصلاح دعامة الحضارة الناشئة في ذلك العهد ؛ وكان يقوّي هذا الإخاء إيمان صادق باللّه بلغ من قوّته أن كان محمد يسمو به إلى الاتصال باللّه جلّ شأنه . وموقفه في غزوة بدر حين ناشد ربه النصر الذي وعده إيّاه ، وجعل يستنجزه هذا النصر ، ويذكر له أن فئة بدر إن هزمت لم يعبد ، مظهر قويّ من مظاهر هذا الاتصال . ومواقفه في غير بدر من المواطن تدل على أنه كان دائم الاتصال باللّه في غير الساعات التي ينزل فيها عليه الوحي . وكان إتصاله هذا من طريق إيمانه الصادق إيمانا جعله يستهين بالموت ويقبل عليه ويتمنّاه . فكل صادق في إيمانه لا يهاب الموت بل يتمنّاه . فلكل أجل